إدماج مكافحة العنف ضد النساء في السياسات العامة

 

 

ورقة مقدمة من الصحفية الحقوقية. نفيسة الصباغ، وقدمتها في جلسة الحوار الثالثة "من اجل سياسات صحية تراعي النوع الاجتماعي وإصدار مدونة السلوك المهني لمقدمي الرعاية الطبية في التعامل مع النساء أثناء تلقي الرعاية الطبية" والمنعقدة بفندق سفير بالجيزة. يوم الثلاثاء الموافق 10 ديسمبر 2019، والتي نظمتها مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون، في إطار تنفيذ مشروع "مراكز رعاية طبية امنة للنساء" والممول من الاتحاد الأوربي.

 

مقدمة:

بعد إقرار العديد من الحقوق السياسية اتجهت الحركة النسوية للتركيز على مطلبين أساسيين المساواة في الأجور وضمان حقوق النساء في التحكم بأجسادهن والحصول على وسائل منع الحمل والإجهاض.

ومنذ ثمانينات القرن الماضي، بدأت تيارات الحركة النسوية العالمية اجتماعات دولية في إطار برنامج "المرأة والصحة". النشاط الذي بدأته الحركة النسوية والمنظمات غير الحكومية كان له أثرا مباشرا على خطة الأمم المتحدة 1076-1985 حيث قررت زيادة الاهتمام بصحة المرأة وهو ما يعني أن الحكومات تبنت الطريق الذي مهدته النساء والمجتمع المدني وكان التركيز في البداية ينصب على "منع وفيات الأمهات".

بالتزامن مع نمو حركة صحة المرأة، بدأ الاهتمام بما يسمى "المجال الخاص", بما في ذلك الحياة الجنسية والإنجاب, وطوال التسعينات من القرن العشرين، ساهم هذا النشاط في تنامي الوعي العالمي بصحة المرأة التي تحتاج إلى فهمها ومعالجتها في إطار التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفردية أيضا. وبالتالي بدأت الربط المنطقي بين العمل على صحة النساء وبين الجهود المبذولة على صعيد الأسرة والمجتمع المحلي ، فضلا عن الهياكل الاجتماعية الأوسع نطاقا ، مثل الصحة والتعليم ، والقوانين والسياسات التي يمكن أن تشكل حواجز أمام حصول النساء على الصحية لأنفسهن ولأطفالهن.

ومن هنا يجب أن تشمل السياسات الخاصة بصحة المرأة العديد من الجوانب على رأسها التوعية وتغيير المفاهيم السائدة وعدم التمييز ومكافحة العنف ضد النساء في القطاع الطبي. وفي هذه الورقة نعتمد على البحث عن أحدث التوصيات بخصوص النظم الصحية في مختلف دول العالم لتكون بمثابة إضاءات على ما ينبغي أن تشمله السياسات في مصر كي لا نعيد اختراع العجلة من جديد ولا نستورد نسقا بعينه بمميزاته وعيوبه أيضا.

أولا: القضاء على التمييز وزيادة وعي النساء بأجسادهن:

يمكن القول بأن مرض نقص المناعة المكتسب –الإيدز- كان من أبرز المشكلات التي واجهت العالم –ولا تزال- ويمكن من خلالها التعرف على مدى تأثير الثقافة السائدة والعادات الاجتماعية على منع النساء من حقهن في الرعاية الصحية. وأوحت الإحصائيات أن النساء والفتيات يصيبهن فيروس في سن أقل من الرجال وهو في الغالب بسبب ميل الكثير من المجتمعات لاعتبار الفتيات قادرات على ممارسة الجنس والزواج في وقت مبكر مقارنة بالفتيان والرجال. كما أن النساء والفتيات أكثر عرضة للإصابة بفيروس نقص المناعة ويرجع ذلك جزئيا إلى عدم المساواة في الحصول على المعلومات.  ووجدت دراسات من البرازيل والهند وموريشيوس وتايلاند أن جميع الشابات يعرفون القليل عن أجسادهن، وعن الحمل أو الأمراض التي تنتقل بالاتصال الجنسي. هذا النقص في المعرفة يحد من قدراتهن على حماية أنفسهن من الإصابة بفيروس نقص المناعة البشرية[1].

وبعدما أقر العالم بأهمية مكافحة التمييز ضد المرأة لضمان صحة النساء, بدأت الدول المختلفة تضع سياسات لمحاولة جسر الفجوات بين النساء والرجال على المستويات المختلفة. ولعل من أخطر المجالات وأكثرها حساسية مجال الصحة. والذي ينبغي وضع سياسات شاملة لضمان عدم التمييز ضد النساء وعدم تعنيفهن ولضمان حصولهن على الخدمات الصحية المطلوبة.و بالتأكيد يجب أن تشمل السياسات الصحة الإنجابية بكل جوانبها التي يعتبرها المجتمع "حساسة" أو تلك التي يعتبرها البعض غير مقبولة ثقافيا أو دينيا. ففي مرحلة سابقا كانت وسائل منع الحمل مرفوضة اجتماعيا وثقافيا في مصر وهو الاقتناع الذي دفع بعض رجال الدين إلى الإفتاء بتحريمها. ومع تنامي الزيادة السكانية وحرص الدولة على التوعية بخطورتها وتأثيراتها السلبية على واقع الأسر اقتصاديا واجتماعيا تراجع التشدد في رفض وسائل منع الحمل. إلا أن نفس الثقافة السائدة ترفض أو تتشدد في التعامل مع الوسائل الموضعية أو الطارئة بزعم أنها قد تشجع على ممارسة الجنس خارج إطار الزواج.  

وعلى جانب آخر يجب الانتباه إلى أن النساء الأكثر فقرا هن الأقل قدرة على التمتع بالخدمات الطبية. وفي مصر تؤثر التحديات الصحية بشكل أكبر على فقراء الريف، حيث تقل احتمالية حصول النساء الفقيرات على رعاية ما قبل الولادة بنسبة 20% مقارنة بالنساء الأثرياء. وبينما تبلغ وفيات الأطفال دون الخامسة 42 وفاة لكل 1000 مولود حي في الأوساط الفقيرة، هناك 19 وفاة فقط لكل 1000 مولود بين الفئات الأكثر ثراءً[2]. ومن هنا يجب توفير الرعاية الصحية المتكاملة في المناطق الأكثر فقرا.

سجلت الدراسة الاستقصائية الديموغرافية والصحية لعام 2014 في مصر زيادة غير مسبوقة عالمياً بنسبة 17 في المائة في إجمالي معدل الخصوبة في البلاد منذ عام 2008، لكنها تزامنت مع تراجع في أفضل الممارسات الرئيسية المتعلقة بصحة الأم والطفل الجيدة ، مثل الرضاعة الطبيعية المبكرة. وبالطبع يمكن ربط بعض هذه الاتجاهات بتراجع جودة ومعدلات تقديم خدمات الرعاية الصحية قبل وبعد الولادة، وضعف إدارة أنظمة الصحة العامة.

وهو ما يؤكد أهمية أن تعتمد فلسفة أية سياسات صحية على ضمان صحة النساء وتسهيل حصولهن على الخدمات الصحية المطلوبة وحرية تحكمهن في أجسادهن خاصة في المناطق الأكثر فقرا. فالاستناد إلى الثقافة السائدة سينتج عنه سياسات قاصرة لا ترعي حقوق النساء وصحتهن وتعتمد بالأحرى على ضمان سيطرة الذكور وسيادتهن وتحكمهن في الإناث وغالبا ما يتم تمرير تلك الحالة من خلال ربط المفاهيم الثقافية بالدين والزعم بكونها أوامر إلهية.  

ثانيا: سهولة الحصول على الخدمات الصحية:

الثقافة السائدة ليست محصورة بالدول النامية أو مصر فما زالت النساء في بريطانيا غير قادرات على الحصول على حبوب منع الحمل التي يمكن تناولها بعد العلاقة الجنسية دون استشارة طبية. ومؤخرا انطلقت دعوات للتخفيف على النساء وتسهيل الحصول على أدوية منع الحمل دون استشارات متعددة, وطالب العديد من الخبراء بفتح مراكز في الشوارع الرئيسية، حيث يمكن للنساء الذهاب للحصول على وسائل منع الحمل ، وخدمات الفحص ، ومشورة انقطاع الطمث ، والمساعدة في تلبية الاحتياجات الصحية الأخرى ، في حين يجب بيع حبوب منع الحمل التالية للعلاقة دون الحاجة إلى استشارة طبية.

وأصدرت الكلية الملكية لأطباء الولادة وأمراض النساء، تقريرا لها بعد أكثر من عام من العمل على وضع مخطط للخدمات الصحية للمرأة أكدت فيه أن الخدمات المقدمة للنساء بحاجة إلى إصلاح كامل لمنحهن سيطرة أكبر بكثير على صحتهن[3]. وأضاف التقرير الذي صدر بعنوان "الأفضل بالنسبة للنساء"، إن البريطانيات يصارعن للحصول على الرعاية الصحية والمشورة التي يحتاجون إليها, بسبب السياسات الصحية, التي تتطلب من النساء رؤية العديد من الممرضات والأطباء في مجموعة متنوعة من العيادات المتخصصة.

وأظهرت دراسة استقصائية شملت 3000 امرأة بريطانية أن كثير من النساء يجدن صعوبة في الحصول على المشورة والرعاية بالقرب من المنزل. قال أكثر من الثلث (37٪) أنهن لا يستطيعن الحصول على خدمات منع الحمل محليًا وأن 60٪ لا يمكنهم الوصول بسهولة إلى خدمات بخصوص الحمل غير المخطط له بما في ذلك الإجهاض[4].

وبالتالي يجب أن تعمد السياسات الصحية إلى تسهيل حصول النساء على الخدمات المختلفة وبالتأكيد من بينها وسائل منع الحمل لتقليل معدلات الإجهاض. بل ويجب تقنين الإجهاض إذا كانت الدولة جادة في وضع سياسات لمواجهة الزيادة السكانية خاصة بعدما أصدر الأزهر فتوى تبيح الإجهاض خلال الأسابيع الأولى من الحمل.

لا تزال ملايين النساء تعاني من عدم القدرة على الحصول على وسائل منع الحمل رغم زيادة الوعي, وجاء السعي نحو مزيد من التعهدات الحكومية في نوفمبر 2019, بشأن تنظيم الأسرة والإنفاق على الصحة الإنجابية, خلال "قمة نيروبي"[5] التي اجتمع خلالها ممثلي مختلف دول العالم لمناقشة مشكلات تطبيق برنامج المؤتمر الدولي للسكان والتنمية والذي تبنته 179 دولة في مؤتمر القاهرة منذ 25 عاما.

ووفقا لدراسة حديثة[6]، فإن حوالي 314 مليون امرأة وفتاة يستخدمن وسائل منع الحمل الحديثة. وبحسب الدراسة التي ركزت على 69 دولة منخفضة الدخل واستخدمت الإحصاءات الوطنية وبيانات الأمم المتحدة السكانية, هناك حوالي 900 مليون امرأة في سن الإنجاب في 69 دولة.  من تلك الدول يبدو أن تسعة فقط تسير في الاتجاه الصحيح لتحقيق الأهداف المحددة لعام 2020. هذه البلدان –لم تكن من بينها مصر- وتشمل: موزمبيق وتشاد والكاميرون وجمهورية قيرغيزستان وزيمبابوي وكينيا وغانا وبوركينا فاسو وسريلانكا.

كان التحسن الأكبر في الوصول إلى وسائل منع الحمل الحديثة في جميع أنحاء شرق وجنوب أفريقيا ، حيث زادت نسبة النساء اللائي يصلن إلى الخدمات بنسبة 7% منذ عام 2012.[7]

 

رابعا: جسر الفجوة الصحية بين الجنسين

تفشل التجارب السريرية في كثير من الأحيان في الوصول إلى نتائج تراعي الفروق الجندرية، على الرغم من حقيقة أن العديد من الأدوية تسبب آثارا ضارة على النساء أكثر من الرجال. وأفاد تقرير نشر في المجلة الطبية الأسترالية في ديسمبر 2019 أنه يتم تجاهل النساء في التجارب والتقارير الطبية. ودعا التقرير إلى المزيد من البحوث الطبية الأسترالية لتشمل البيانات الخاصة بالجنسين، حيث أن عدم مراعاة التأثيرات المختلفة التي قد تحدثها العقاقير على الرجال والنساء يُضعف نوعية الرعاية المقدمة للنساء.

التقرير الصادر بعنوان "الجنس والنوع الاجتماعي في البحوث الصحية: تحديث السياسة لتعكس الأدلة" [8] أشار إلى أنه "ثبت تاريخياً عبر مجموعة واسعة من المجالات الصحية أن الباحثين جمعوا البيانات من الرجال وتم تعميمها لتشمل النساء أيضا". وكانت النتيجة هي التحيز الجنساني في الطب، مما يؤدي إلى نتائج سيئة للنساء بخصوص الأمراض الشائعة بين كل من الرجال والنساء ونقص المعرفة بالظروف التي تؤثر بشكل رئيسي على النساء وحدهن.

فعلى سبيل المثال، من بين 10 أدوية طبية سحبتها إدارة الغذاء والدواء الأمريكية من الأسواق بين عامي 1997 و2000، اتضح أن ثمانية منها تسببت في مخاطر صحية أكبر على النساء. وأوضحت دراسة أجريت عام 2018 أن هذا كان نتيجة "تحيزات ذكورية خطيرة في الأبحاث الأساسية قبل السريرية والسريرية"[9].

في استراليا أيضا وجدت تقرير نُشر في المجلة الطبية الأسترالية عام 2018 أن النساء لا يخضعن للفحص بقدر ما يخضع الرجال لمخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية. وأوضح أن النساء اللائي عانين من نوبة قلبية خطيرة حصلن على نصف الاهتمام الذي تم تقديمه للرجال في لمستشفيات الاسترالية وكان معدل الوفيات بعد ستة أشهر من خروجهن ضعف نظيره بين الرجال الذين مروا بنفس الحالة المرضية[10].

التمييز ضد النساء في مجال الأبحاث الطبية ليس وليد اليوم لكن تاريخيا تم التعامل مع النساء باعتبارهن نسخة أدنى وأقل تطورا من الرجال, ولهذا تم استبعاد النساء من إنتاج المعرفة الطبية والعلمية ، وانتهى الأمر بتصميم نظام للرعاية الصحية "يصنعه الرجال من أجل الرجال"[11] .

في بدايات القرن العشرين، تم اكتشاف نظام الغدد الصماء التي تنتج الهرمونات. وبالنسبة للعقول الطبية، كان هذا يمثل اختلافًا آخر بين الرجال والنساء بالإضافة إلى الرحم الي اعتبروه السبب الرئيسي في جميع أمراض النساء. ومع ذلك ، استمروا في التعامل بناء على الاعتقاد بأن جميع الأجهزة والوظائف الأخرى ستعمل بنفس الطريقة لدى الرجال والنساء ، واعتبرا أنه ليست هناك حاجة لدراسة النساء[12].

ولمواجهة هذا الواقع الرديء، وخلال الثمانينيات من القرن الماضي، شكلت مجموعة من العالمات في الولايات المتحدة جمعية للنضال من أجل إجراء أبحاث صحية أفضل على النساء. الآن تعرف هذه الجمعية باسم "جمعية أبحاث صحة المرأة", وتعاونت الباحثات مع بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي للفت الانتباه إلى التناقضات في البحوث الطبية وتأثير ذلك على صحة المرأة[13].

خامسا: مكافحة التحرش الجنسي وضمان الحريات والحقوق الإنجابية:

أظهرت دراسة أصدرتها الجمعية الأمريكية للجامعات (AAUW) أن التحرش الجنسي له عواقب طويلة الأجل على النساء العاملات. ووجد البحث أن سوء السلوك الجنسي يضعف صحة المرأة الجسدية والعقلية ، ويقلل من خيارات عملها ، ويحد من فرص تطورها المهني ويجبرها على ترك القوة العاملة. وخلص التقرير إلى أن هذه النتائج السلبية تقلل من دخل المرأة مدى الحياة وتعزز الفجوات بين الجنسين وأجر التقاعد مع مرور الوقت[14].

إذا كانت هذه هي الحال بالنسبة للتحرش في العمل أو في الأماكن العامة فبالتأكيد التأثير يكون أكثر سوءا إذا تم في مكان تلقي الخدمات الطبية والصحية وقد يتسبب في امتناع المرأة عن السعي للحصول على الخدمات الصحية التي تحتاج إليها.  ومن هنا يجب أن تشمل أية سياسات على آليات تسهم في خلق ثقافة لا تتسامح مع التحرش الجنسي، وإتاحة إجراءات متعددة لتقديم الشكاوى. وتدريب المدراء والمسئولين على التعامل بإيجابية مع شكاوى التحرش الجنسي في مكان العمل بشكل عام وفي أماكن تقديم الخدمة الصحية بشكل خاص.

وبخلاف التحرش الجنسي تمثل الحقوق الجنسية والإنجابية أزمة حيث تفتقر إلى التوافق العالمي مما يترك النساء معرضات لاستمرار العنف والتمييز ضدهن في مجال الصحة وخاصة الصحة الإنجابية. فخلال قمة نيروبي التي انعقدت في الفترة من 12 إلى 14 نوفمبر 2019, تعهدت الحكومات بمكافحة والقضاء على العنف القائم على أساس النوع الاجتماعي والممارسات الضارة ضد النساء والفتيات خلال العقد القادم. وكررت بعض الحكومات تعداتها خلال قمة القاهرة للصحة والسكان عام 1994 والتي كانت رائدة في معالجة الروابط بين السكان والحد من الفقر والتنمية المستدامة - من خلال وضع حقوق واحتياجات وتطلعات الأفراد، وخاصة النساء والفتيات، في صلب التنمية المستدامة. وجاءت قمة نيروبي بعد ربع قرن للتذكير بالوعود السابقة وإعادة الحياة لتعهدات مؤتمر القاهرة.

تعهد البيان الختامي لقمة نيروبي بالقضاء على وفيات الأمهات تماما, وتلبية كل احتياجات النساء فيما يتعلق بتنظيم الأسرة ومنع الحمل القضاء تماما على العنف القائم على النوع الاجتماعي والممارسات الضارة ضد النساء والفتيات - بحلول عام 2030 ، الموعد النهائي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة[15].

ورغم ذلك يبدو الطريق طويلا جدا فوقف وفيات الأمهات يتوقف على تقديم خدمات صحية متكاملة لكل النساء وهو غير متاح ولا توجد سياسات واضحة لتحقيقه، كما أن العنف ضد النساء يتم ارتكابه داخل عيادات التوليد سواء عنف جسدي أو لفظي وفي اماكن تقديم الخدمات الصحية هذا بالطبع بخلاف المنزل والشارع سواء التحرش أو العنف اللفظي أو التمييز وغيرها من أشكال العنف. كما أن وسائل منع الحمل غير متاحة بسهولة ولا توجد سياسة واضحة يجري تطبيقعها فعليا تجعل الوصول إلى وسائل منع الحمل سهلا على كل امرأة وفتاة في مرحلة الخصوبة.  الطريق طويل جدا بسبب استمرار الاتجار بالفتيات في صفقات تأخذ على شكل "زواج" عرفي مبكر.

وفيما صارعت بعض الدول لاستعادة المسار من جديد نحو تنمية مستدامة ورعاية صحية حقيقية وشاملة, عارضت 11 دولة منها مصر التركيز على "الحقوق الإنجابية" خلال قمة نيروبي. وكانت الدول المعارضة لبيان نيروبي هي الولايات المتحدة الأمريكية والبرازيل وبولندا والمجر وروسيا البيضاء ومصر وهايتي وليبيا والسنغال وأوغندا.

ووأشارت مصر –كواحدة من الدول التي وقعت على البيان المعارض لبيان نيروبي- إلى أنها "لا تدعم" الإشارات الواردة في الوثائق الدولية إلى المصطلحات والتعبيرات "الغامضة" مثل الصحة والحقوق الجنسية والإنجابية (SRHR), لأنها قد تستخدم للترويج لممارسات مثل "الإجهاض". ويمكن القول بأن القاهرة 2019 انتكست عن قرارات القاهرة 1994. أي أن الرؤية الرسمية لمصر بخصوص الحقوق الإنجابية للنساء صارت أكثر تشددا مقارنة برؤية مصر منتصف التسعينات. ولعل هذا التراجع جاء بتأثير الهجوم الشديد الذي شنته باستمرار جماعات الإسلام السياسي على تلك الحقوق وعلى من يعلن تبنيها.

وأكدت الدول الـ 11 "المبادئ الأساسية الرئيسية" لمؤتمر القاهرة "لتحقيق أعلى النتائج من الصحة والحياة والكرامة والرفاهية.. ويشمل ذلك على سبيل المثال لا الحصر: الإنجابية اهتمامات؛ الصحه الذهنيه؛ الرعاية الصحية الأولية؛ تنظيم الأسرة الطوعي والمستنير؛ تقوية الأسرة والفرص التعليمية والاقتصادية المتساوية للنساء والرجال ".

ولعل السبب الرئيسي وراء معارضة الدول ال 11 لمخرجات قمة نيروبي كان سياسيا بالأساس وفي المقام الأول وتم استخدام "رفض الترويج للإجهاض" كحجة للرفض. ففي بيانهم قالت الدول الموقعة- ومن بينها مصر: "كنا نقدر المزيد من الشفافية والشمولية في التحضير للمؤتمر، بما في ذلك فيما يتعلق بمعايير مشاركة المجتمع المدني. على الرغم من أن برنامج عمل المؤتمر الدولي للسكان والتنمية في القاهرة تم التفاوض عليه وتنفيذه مع جميع أعضاء الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أنه لم تتم استشارة سوى حفنة صغيرة من الحكومات بشأن تخطيط وطرائق مؤتمر قمة نيروبي 2019. لذلك، لا يمكن اعتبار هذه القمة جهد حكومي جماعي، كما أنها ليست نتيجة لعملية توافق في الآراء. ونتيجة لذلك، لا ينبغي اعتبارها معيارية. [16]"

سادسا: توفير بيئئة عمل آمنة للنساء:

بعد حركة "مي تو" ظهر جليا أن التحرش والاعتداءات الجنسية والعنف ضد النساء في أماكن العمل كلها عوامل تعوق تطور النساء والوصول إلى المساواة وتكافؤ الفرض في سوق العمل. وانطلاقا من الإيمان بأهمية توفير بيئة عمل آمنة, وفي أكتوبر 2019, أطلقت مايا رئيسة المجلس القومي للمرأة (NCW) برنامجًا بعنوان "تعزيز العمالة المنتجة والعمل اللائق للنساء في مصر والأردن وفلسطين"[17]. البرنامج تدعمه الوكالة السويدية للتعاون الإنمائي الدولي (Sida) ويتم تنفيذه بشكل مشترك بين منظمة العمل الدولية (ILO) ومنظمة الأمم المتحدة للمرأة. ويهدف إلى مساعدة النساء على الاستفادة من الفرص الناتجة عن تحسين الوظائف، والأمن في أماكن العمل، والمساواة في الوصول إلى برامج وآليات التطوير المهني، والحماية الاجتماعية للأسر، وتحسين فرص التنمية الشخصية والاندماج في المجتمع.

هذا الاهتمام إذا ما تم إدماجه مع السياسات الرسمية للدولة سيكون له أثر كبير على حماية كل النساء العاملات بما في ذلك العاملات في مجال الصحة من طبيبات وممرضات وعاملات إداريات.. الخ. ومن المتوقع أن يساهم البرنامج في تحقيق 12 إصلاحًا على الأقل في الإطار التنظيمي أو القانوني الذي يستجيب للمساواة بين الجنسين ويعززها. وسوف تشمل الإصلاحات دعم الحكومات وأرباب العمل والعمال ومنظمات المجتمع المدني والإعلام والأوساط الأكاديمية من أجل تعزيز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة بشكل متزايد، ومساعدة زيادة 2-5 في المائة من النساء في المناصب الإدارية في القطاعين العام والخاص. علاوة على ذلك، يتوقع البرنامج حدوث تغيير إيجابي بنسبة 10 في المائة على الأقل في التكافؤ بين الجنسين في التوظيف في القطاع الخاص، حيث تلتزم 87 شركة جديدة على الأقل بتنفيذ سياسات المساواة بين الجنسين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتطبيق مبادئ تمكين المرأة ودعم دور العمل التجاري للنهوض بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة في مكان العمل والسوق والمجتمعات.

ويمثل البرنامج تقارباً قوياً بين منظمة العمل الدولية وهيئة الأمم المتحدة للمرأة سيتم من خلاله ضمان إدراج مبادئ العمل اللائق في إطار التمكين الاقتصادي للنساء. وبالتالي لن يمثل البرنامج مجرد تطبيق لاتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين في عالم العمل فحسب، بل سيكون بمثابة آلية لوضع معايير وإرشادات عملية حول كيفية تحقيق ذلك، سواء كانت الحماية القانونية أو المكافأة العادلة أو الإجازة الوالدية أو السلامة أو الصحة أو رعاية الطفل أو الحماية من العنف والمضايقات.

وفي إطار الاهتمام بالمساواة في مجال العمل أيضا وقعت مصر, في سبتمبر 2019, على خطاب إعلان نوايا  بشأن "جسر الفجوة بين النساء والرجال في سوق العمل" [18]. وخلال زيارتها للولايات المتحدة للمشاركة في قمة المنتدى الاقتصادي العالمي حول آثار التنمية المستدامة، وقّعت وزيرة السياحة المصرية رانيا المشاط خطاب نوايا لتنفيذ مشروع "سد الفجوة بين الجنسين" في مصر، بالتعاون مع المجلس القومي للمرأة والمنتدى الاقتصادي العالمي. ويهدف هذا المشروع، وهو الأول من نوعه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إلى تعزيز التعاون بين القطاعين العام والخاص للقضاء على الفجوة بين الجنسين.

يهدف المشروع إلى زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتشجيع المزيد من النساء على تولي مناصب قيادية اقتصادية، وجسر الفجوة في الأجور، والمساهمة في تعزيز جهود مصر في مجال تمكين المرأة إقليمياً ودولياً. وهي الأهداف التي تتسق مع الاستراتيجية الوطنية لتمكين المرأة المصرية 2030، والتي تنص على أنه بحلول عام 2030، ستصبح المرأة المصرية شريكا رئيسيا ونشطا في تحقيق التنمية المستدامة.

 

 

 


[1] http://www.womenshealthsection.com/content/healar/heal015.php3

 

[2] https://www.usaid.gov/egypt/global-health

[3] http://www.rcog.org.uk/better-for-women/

[4] theguardian.com/society/2019/dec/02/one-stop-shops-needed-for-womens-health-services

[5] http://www.nairobisummiticpd.org/content/about-nairobi-summit

[6] http://www.familyplanning2020.org/news/over-half-million-women-and-girls-are-using-modern-methods-contraception-sierra-leone

[7] https://www.theguardian.com/global-development/2019/nov/12/access-to-contraception-falling-far-short-of-global-targets-report

[8] https://www.mja.com.au/journal/2019/212/2/sex-and-gender-health-research-updating-policy-reflect-evidence

[9] https://www.theguardian.com/lifeandstyle/2019/nov/13/the-female-problem-male-bias-in-medical-trials

[10] https://www.theguardian.com/australia-news/2018/jul/23/women-half-as-likely-to-get-proper-heart-attack-treatment-in-australia

[11] https://www.theguardian.com/lifeandstyle/2019/nov/13/the-female-problem-male-bias-in-medical-trials

[12] https://guardianbookshop.com/pain-and-prejudice-9780349424552.html

[13] https://swhr.org/

[14] https://www.hrdive.com/news/aauw-sexual-harassment-impairs-womens-health-earnings-and-job-choices/568415/

[15][15] https://www.thejakartapost.com/academia/2019/11/30/after-nairobi-the-only-way-forward-is-three-zeros.html

[16] https://catholicherald.co.uk/news/2019/11/15/11-nations-oppose-reproductive-rights-focus-of-nairobi-summit/

[17] https://www.egypttoday.com/Article/1/75580/Joint-programme-to-promote-decent-work-for-women-launched

[18] http://english.ahram.org.eg/NewsContent/1/64/351576/Egypt/Politics-/Egypt-signs-letter-of-intent-to-implement-Closing-.aspx